أشجار التوت (قصة قصيرة وسيناريو فيلم قصير)

ذكريات أخوية

مع أخي في أحد الكافيهات





   أمضيت أكثر من ثلاث سنوات من عمري وحيدة بلا أخوة، ومنذ أن بدأت أعي ما حولي وأنا ألح على أمي أن تأتي لي بأخ أو أخت حتى ألعب معهما، خاصة وأن كل أبناء عمومتي كان لهم أخوة وكنت الوحيدة بينهم بلا أخوة، فكنت منذ استيقاظي من النوم اهرب من البيت إلى بيوت أعمامي الذين يسكنون معنا في نفس البناية، واقضي اليوم كله مع أبناء أعمامي، وعندما يحين وقت النوم تستغرق أمي وقتاً طويلاً في إقناعي بالعودة إلى المنزل وأنا أرفض متعللة بعدم وجود أخوة لي ألعب معهم في المنزل.
  حتى استجابت أمي لإلحاحي المتواصل وحملت بأخي، وظللت انتظره بشوق ولهفة طوال أشهر الحمل، وكان يوم ولادته يوماً مشهوداً، 4 يناير 1994 في الصباح الباكر، لا أتذكر كم كانت الساعة، كنت نائمة في حضن أمي وكان أبي في العمل، استيقظت فزعة عندما شعرت ببلل يتسرب تحتي على الفراش، لأصرخ في أمي متهمة إياها أنها بللت الفراش كالأطفال، ولكنها قامت في لهفة تخبرني أن الطفل هو من فعل ذلك في بطنها، فقد كان ذلك ماء الولادة، وجرت سريعاً لتخبر أبي على الهاتف.
  لا أذكر بعدها كيف ذهبنا إلى المستشفى هل أتى أبي وأخذنا أم أننا سبقناه مع أحد أعمامي؟! ولكن ما أذكره جيداً أنني ذهبت معهم إلى المستشفى، وبطبيعة الحال كان ممنوعاً علي دخول غرفة العمليات، وكان أخي كما يقولون "لحم جملي" أمضت أمي ثماني ساعات كاملة في ولادته، ولازال أبي كلما أراد تذكيره بيوم ولادته يقول له: "أنت أمك قشروها من عليك".
     فعلى الرغم من مشقة ولادتي إلا أنني ولدت ولادة طبيعية، أما أخي الذي كان يزن ما يزيد عن أربعة كيلو جرامات عند ولادته، كان الطبيب يود أن تكون الولادة طبيعية حتى يتباهى بقدرته على اخراج طفل بهذا الوزن بشكل طبيعي، ولكنه لم يحظى بذلك الفخر فبعد ثماني ساعات كان قد يأس وأخبر والدتي أنه مضطر لإجراء عملية ولادة قيصرية؛ فما كان منها إلا أن ترجوه أن يفعل أي شيء يريده حتى تنتهي من هذا العذاب.
    كان من المستحيل على طفلة ملولة مثلي أن تظل طوال تلك الثماني ساعات جالسة بجوار الغرفة تنتظر المولود، وكالعادة انطلقت في المستشفى أمارس هوايتي المعتادة في التعرف على الناس، ولم ينتبه أحد لي من العائلة. أول ما أذكره أن كان هناك شاباً يلاعبني من بعيد في غرفة مجاورة فذهبت إليه، ولا أتذكر ماذا فعلت بعدها وأين ذهبت كل ما أتذكره أنني إذ فجأة وجدت نفسي وحيدة في طابق كامل ليس به أحد، وعندما أيقنت أنني لا أستطيع العودة مرة أخرى إلى غرفة أمي جلست أبكي على الأرض بصوت عالي قائلة: "أنتم سبتوني لوحدي ليه؟ انتو وحشين أنتم مبتحبونيش... أنا عايزة ماما"!
  في هذا الوقت كانوا قد انتبهوا لغيابي وانطلقوا يبحثون عني في أرجاء المستشفى، ونظراً لصوتي العالي بشكل غير طبيعي سمعني عمي "أحمد" الضابط -الذي كان قد أغلق أبواب المستشفى ظناً منه أن أحد ما قد خطفني ويريد أن يهرب بي-! فأخبر أبي أنه سمع صوتي، وذهبوا في اتجاه الصوت ليجدوني جالسة ابكي وحدي في طابق الموظفين الذي كان قد رحل منه كل العاملين فيه بعد انتهاء وقت العمل، ولولا صوت بكائي العالي ذاك ما شعر أحد بوجودي في ذلك الطابق لليوم التالي.
   أخذوني إلى أمي –التي عرفت فيما بعد أنها كانت تبكي قائلة: "ياربي هو أنا أجيب واحد يروح التاني!"- كانت جالسة في فراشها أو على كرسي لا أتذكر بالضبط وهي تبكي وإلى جوارها فراش المولود الجديد؛ فجريت عليها لأدخل في حضنها ولكنهم زجروني لتألمها نتيجة العملية فقد ولدت أخي قيصرياً، ولا أتذكر إذا ما كانت احتضنتني رغم ذلك أم لا، في الأيام التالية كنت أبيت وحدي مع أبي في البيت حيث كانت لا تزال أمي في المستشفى.
   أشترى أبي لي دراجة جديدة وقال لي أنها هدية من المولود الجديد؛ فظننت أنها خرجت معه من بطن أمي، على الرغم من أن عمي اشترى لابنه دراجة بنفس الشكل في نفس الوقت! وبعد خروج أمي من المستشفى تخبرني أمي أنني كنت أغير من اهتمامها الجديد بأخي على الرغم من أنني لم تظهر علي أي بوادر الغيرة أثناء فترة الحمل، ولكنني لم أكن أغير من وجوده كنت فقط أغير من اهتمامها الزائد به وافتقادي التام لذلك الاهتمام نظراً لعدم قدرتها على النهوض من الفراش من الأساس.
 تخبرني أنني كنت انكش شعري عمداً واجري به في الشقة أمامها لأنني أعلم أنها لن تستطيع النهوض من الفراش ورائي، وأنني أصبت وقتها بالبواسير من كثر غيرتي، ولكني لم أتفوه بكلمة ضده ولم أعبر عن أي رغبة في عدم وجود ذلك الطفل الجديد لأنني كنت أريده بالفعل ولكن لا أريد أن يأخذ مني كل الإهتمام الذي كنت أحظى به، والحقيقة أنني قد اكتشفت فيما بعد أن تلك هي طريقتي في الغيرة؛ فأنا لا أعبر أبداً عما أشعر به من غيرة ولكنني أصبح عصبية للغاية وأصاب بأمراض عضوية إذا ما غرت.
    بعدما تعافت أمي وعادت لطبيعتها حاولت أن تشركني معها في كل الأمور التي تخص أخي؛ فكانت تجعلني أنظم ملابسه المغسولة حتى لو كانت ستعيد تنظيمها مرة أخرى كأني لم أفعل شيئاً، وكانت تتركه معي في غرفتنا وهي تقوم بالأعمال المنزلية، ولكنني كنت أتعجل كبره حيث أن الهدف الذي كنت ألح من أجله في أن يكون لي أخ لم يتحقق بعد، وهو أن يلعب معي، فهو لا يمكنه اللعب معي بهذه الحالة وهو ملفوف بكل هذه الكوافيل وحجمه لا يتخطى حجم ذراعي.
   وبالفعل كبر وكان طفلاً مهذباً جداً ورقيقاً للغاية وكنت أنا وحش الغابة وقتها؛ فكلفت نفسي بحمايته من كل شيء، لم أكن أتركه يلعب بعيداً عن ناظري عندما نكون في النادي أو في أي مكان، حتى لا يتوه مني (ربما أصبحت هذه عقدة عندي)، كنت أخذه معي إلى النادي الصيفي بمدرستي في الأجازة، وأصر أن يظل معي في نفس الفصل على الرغم من فارق السن، كنت أشتري له الحلوى، وأتشاجر مع كل من يمسه بسوء، فكم تشاجرت حينها مع أطفال عدة لأنهم ضايقوه خاصة وأنه كان طفل حساس جداً ويبكي من أقل شيء.
    كبر أخي أكثر والتحق بمدرسة غير مدرستي، ولكننا كنا يومياً بعد عودتنا من المدرسة نمضي أكثر من ساعة في اللعب معاً على الرغم من صرامة أمي تجاه الدراسة، كنا نلعب كرة بملابسنا المتسخة ونلعب مصارعة، وكنت وقتها أنا الأخت الكبيرة القوية الضخمة وهو الطفل الصغير الرقيق؛ فكنت دائماً ما أغلبه إلى أن تحول الأمر بعد ذلك يوماً ما عندما كنت في الإعدادي وكان هو في الإبتدائي، وقتها سألت أمي كيف غلبني وأنا الكبيرة؟! أجابتني أن الأولاد دائماً أقوى جسمياً من البنات وأنني كنت أغلبه عندما كان جسمه لا يزال ضعيفاً ولكنه الآن أصبح قوياً وسيغلبني في كل مرة، وأوقفتنا عن تلك اللعبة التي أصبحت تصيبني بإصابات متكررة نظراً لتفاخر أخي بقوته الجديدة ورغبته في إثباتها، واستبدلناها بلعبة المصارعة في الأتاري والتي كان أيضاً يغلبني فيها.

   عندما سافرنا إلى اليابان مع أبي ليدرس الدكتوراه أصبح أخي هو صديقي المقرب الوحيد، فقد كان أبناء العرب هناك جميعاً أصغر منا واليابانيون يمنعني من الصداقة الحقيقية معهم حاجز اللغة؛ فأصبح أخي هو مصب أسراري كلها فكنت أبوح له بكل ما يخالجني، وأمسى ذلك حالنا حتى بعد عودتنا إلى مصر، لا أخفي عنه شيئاً ويحكي لي كل أسراره، وكثيراً ما كان يضبطنا أحد والدينا وأنا جالسة معه في غرفته نتبادل بعض الأسرار؛ فيعلمون أن هناك سراً ما ويسعون حثيثاً لمعرفته بلا جدوى.
  عندما وصل أخي للمرحلة الجامعية ذهب لاستكمال دراسته الجامعية بالقاهرة، فشلت أمي في أن تأتي لي بإخوة آخرين وأضحى هو أخي الوحيد وصديقي الوحيد، أشتاق له كثيراً و لأحاديثنا وأسرارنا الطفولية، عندما يأتي في أجازاته يضج البيت بالحركة والحياة وفيما عدا ذلك فالبيت ساكن لا حياة فيه، والآن أضحى نزيلاً لأحد السجون بتلك التهم الواهية التي ما تفتأ تلقى جُزافاً على شباب مصر؛ فحرمت حتى من تلك الإجازات البسيطة وأضحى لقائه يحسب بالدقائق في زيارات دورية للسجون تحت رقابة أعين الرقباء فلا يسعنا حتى الانطلاق في اللهو والتحدث كما يحلو لنا، واليوم في عيد مولده لا يمكنني حتى بكل بساطة أن أعايده ولو بجملة بسيطة!!!!!!!

تعليقات